الشيخ السبحاني
27
مفاهيم القرآن
وقد تضمّن قوله سبحانه : « وَاعْتصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ » استعارة بليغة حيث صوّر قوم النبيّ كالساقطين في قعر هوَّةٍ سحيقة لا يقدورن على الخروج ، وفي يد النبيّ حبل ألقاه في قعر تلك الهوّة يدعوهم إلى التمسّك به حتّى يستنقذهم من الهلكة . هذا ما يصف به القرآن الكريم بيئة النبيّ وعقلية عشيرته ، على الوجه الكلّي ، ولكنّه يصفهم في الآيات الأُخر بالإنحطاط والانهيار بشكل مفصّل . وإليك بيان ذلك في ضوء الآيات القرآنية . 1 - الشرك أو الدين السائد . كان الدين السائد في العرب في الجزيرة العربية عامّة ، ومنطقة أُمُ القرى خاصّة ، هو الشرك باللَّه سبحانه ، فهم وإن كانوا موحّدين في مسألة الخالقيّة ، وكان شعارهم هو أنّ اللَّه هو الخالق للسماوات والأرض ، ولكنّهم كانوا مشركين في المراحل الأخرى للتوحيد . أمّا كونهم موحّدين في مجال الخالقيّة فلقوله سبحانه : « وَلئنْ سأَلْتَهُم مَنْ خَلَقَ السَّمواتِ والأَرضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » ( لقمان / 25 ) « 1 » . وأمّا كونهم مشركين في المراتب الأخرى للتوحيد فيكفي في ذلك كونهم مشركين في أمر الربوبية ( تدبير العالم ) هو أنّ الوثنية دخلت مكّة وضواحيها ، بهذا اللون من الشرك ( الشرك في الربوبية ) . روى ابن هشام عن بعض أهل العلم أنّه قال : « كان عمرو بن لحى أوّل من أدخل الوثنية إلى مكّة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام اناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون ، قالوا : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها ، فتمطرنا ، ونستنصرها ، فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطونني منها فأسير بها إلى أرض
--> ( 1 ) . ولهذا المضمون آيات اخر لاحظ العنكبوت / 61 ، الزمر / 38 ، والزخرف / 9 و 78 .